الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إذا رأى تفسير قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] وتردد عنده احتمال أن الباء فيه للتأكيد أو أنها للتبعيض أو للآلة وكانت نفسه غير مطمئنة لاحتمال التأكيد إذ كان مدخول الباء مفعولا فإذا استشهد له على ذلك بقول النابغة : لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا * وأصبح جدّ الناس يظلع عاثرا وقول الأعشى : فكلنا مغرم يهوى بصاحبه * قاص ودان ومحبول ومحتبل رجح عنده احتمال التأكيد وظهر له أن دخول الباء على المفعول للتأكيد طريقة مسلوكة في الاستعمال . روى أئمة الأدب أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قرأ على المنبر قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [ النحل : 47 ] ثم قال ما تقولون فيها أي في معنى التخوف ، فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا ، التخوف التنقص ، فقال عمر : وهل تعرف العرب ذلك في كلامها ؟ قال نعم قال أبو كبير الهذلي : تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن « 1 » فقال عمر : « عليكم بديوانكم لا تضلوا ، هو شعر العرب فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم » وعن ابن عباس « الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله اللّه بلغتهم رجعنا إلى ديوانهم فالتمسنا معرفة ذلك منه » وكان كثيرا ما ينشد الشعر إذا سئل عن بعض حروف القرآن . قال القرطبي سئل ابن عباس عن السّنة في قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] فقال النعاس وأنشد قول زهير : لا سنة في طوال الليل تأخذه * ولا ينام ولا في أمره فند وسئل عكرمة ما معنى الزنيم ؟ فقال هو ولد الزنى وأنشد : زنيم ليس يعرف من أبوه * بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم فمما يؤثر « 2 » عن أحمد بن حنبل رحمه اللّه أنه سئل عن تمثل الرجل ببيت شعر لبيان معنى في القرآن فقال : « ما يعجبني » فهو عجيب ، وإن صح عنه فلعله يريد كراهة أن يذكر
--> ( 1 ) التامك : السنام ، وقرد بفتح القاف وكسر الراء : كثير القراد ، والسفن - بفتحتين - المبرد . ( 2 ) ذكره الألوسي .